عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
507
اللباب في علوم الكتاب
وإنزال الكتاب ، وذلك يوجب أنّ قبل البعثة لم يكن الاختلاف في الحقّ حاصلا ، بل كان الاتفاق في الحق حاصلا وهو يدل على أنّ قوله تعالى : « كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً » معناه أمة واحدة في دين الحقّ . وقوله : « من بعد » فيه وجهان : أحدهما وهو الصحيح : أن يتعلّق بمحذوف تقديره : اختلفوا فيه من بعد . والثاني : أن يتعلّق ب « اختلف » الملفوظ به ، قال أبو البقاء « 1 » : ولا تمنع « إلّا » من ذلك ، كما تقول : « ما قام إلّا زيد يوم الجمعة » . وهذا الذي أجازه أبو البقاء ، فيه كلام كثير للنّحاة ، وملخّصه : أنّ « إلّا » لا يستثنى بها شيئان دون عطف أو بدلية ؛ وذلك أنّ « إلّا » معدّية للفعل ، ولذلك جاز تعلّق ما بعدها بما قبلها ، فهي كواو مع وهمزة التعدية ، فكما أنّ واو « مع » وهمزة التّعدية ، لا يعدّيان الفعل لأكثر من واحد ، إلّا مع العطف ، أو البدلية كذلك « إلّا » وهذا هو الصّحيح ، وإن كان بعضهم خالف . فإن ورد من لسانهم ما يوهم جواز ذلك يؤوّل ، فمنه قوله : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ [ يوسف : 109 ] . ثم قال « بالبيّنات » ، فظاهر هذا أنّ « بالبينات » متعلّق بأرسلنا ، فقد استثني ب « إلّا » شيئان ، أحدهما « رجالا » والآخر « بالبينات » . وتأويله أنّ « بالبيّنات » متعلّق بمحذوف ، لئلا يلزم منه ذلك المحذور . وقد منع أبو الحسن ، وأبو عليّ : « ما أخذ أحد إلّا زيد درهما » و « ما ضرب القوم إلا بعضهم بعضا » واختلفا في تصحيحها ، فقال أبو الحسن : طريق تصحيحها بأن تقدّم المرفوع الذي بعد « إلّا » عليها ، فيقال : ما أخذ أحد زيد إلا درهما ، فيكون « زيد » بدلا من « أحد » و « درهما » مستثنى مفرغ من ذلك المحذوف ، تقديره : « ما أخذ أحد زيد شيئا إلا درهما » . وقال أبو عليّ : طريق ذلك زيادة منصوب في اللّفظ فيظهر ذلك المقدّر المستثنى منه ، فيقال : « ما أخذ أحد شيئا إلا زيد درهما » فيكون المرفوع بدلا من المرفوع ، والمنصوب بدلا من المنصوب ، وكذلك : ما ضرب القوم أحدا إلّا بعضهم بعضا . وقال أبو بكر بن السّرّاج : تقول « أعطيت الناس درهما إلا عمرا » [ جائز . ولو قلت : « أعطيت الناس درهما إلا عمرا ] الدنانير لم يجز ، لأنّ الحرف لا يستثنى به إلّا واحد . فإن قلت : « ما أعطيت الناس درهما إلّا عمرا دانقا » [ على الاستثناء لم يجز ، أو على البدل جاز فتبدل « عمرا » من النّاس ، و « دانقا » من « درهما » . كأنك قلت : « ما أعطيت إلّا عمرا دانقا ] يعني أنّ الحصر واقع في المفعولين . قال بعض المحقّقين : « وما أجازه ابن السراج من البدل في هذه المسألة ، ضعيف ؛
--> ( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 91 .